ابن أبي الحديد
81
شرح نهج البلاغة
أرواقها ، وجاء الناس يضجون الغرق الغرق يا رسول الله فقال اللهم حوالينا ولا علينا ، فانجاب السحاب عن المدينة حتى استدار حولها كالإكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ، ثم قال : لله در أبى طالب لو كان حيا لقرت عينه . من ينشدنا قوله فقام على فقال يا رسول الله ، لعلك أردت : * وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * قال : أجل ، فأنشده أبياتا من هذه القصيدة ، ورسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر ، ثم قام رجل من كنانة فأنشده : لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوه * إليه ، وأشخص منه البصر فما كان إلا كما ساعة * أو أقصر حتى رأينا الدرر دفاق العزالى وجم البعاق ( 1 ) * أغاث به الله عليا مضر فكان كما قاله عمه * أبو طالب ذو رواء غرر به يسر الله صوب الغمام * فهذا العيان وذاك الخبر فمن يشكر الله يلق المزيد * ومن يكفر الله يلق الغير فقال رسول الله إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت . قالوا وإنما لم يظهر أبو طالب الاسلام ويجاهر به ، لأنه لو أظهره لم يتهيأ له من نصرة النبي صلى الله عليه وآله ما تهيا له ، وكان كواحد من المسلمين الذين اتبعوه ، نحو أبى بكر وعبد الرحمن بن عوف ، وغيرهما ممن أسلم ، ولم يتمكن من نصرته والقيام دونه
--> ( 1 ) العزالى : جمع عزلاء ، وهي في الأصل : مصب الماء من القربة والراوية ، ويقال للسحابة إذا انهمرت بالمطر قد حلت عزاليها . والبعاق : المطر الذي ينبعق بالماء .